ابن المقفع
8
الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )
في اقرار الأمور وبوحيهم يتصرفون ، وبتامرهم ينكلون بالعرب ويضعفون من شأنهم وكأنهم يعملون على تقلّص ظلّهم . ولئن كانت حركة هؤلاء الشعوبيين في ظل الأمويين ، قد عملت في الخفاء ، ومن وراء أستار غير قادرة على الجهر ، فقد باتت بعد أن قويت شوكتها ، وطالت مخالبها تسفر عن أغراضها وتكشف عن نواياها فتتهجم على العرب وتنال من ثقافتهم بل وتدسّ على الإسلام نفسه ، وترسخ قواعد المجوسية وتغذّي مذاهب المانوية والمزدكية وتضع كتب « المثالب » في ذم العرب وقدحهم والتطاول عليهم . * الجانب الاجتماعي وقد استتبع تحول الحكم من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية ، نقل حاضرة الخلافة إلى العراق ، الإقليم الذي كان متأثرا منذ القدم بطقوس الحياة الفارسية وتقاليد الأعاجم وثقافتهم . وحين بنى أبو جعفر المنصور مدينة بغداد وجعلها عاصمة ملكه ، كان من البديهي أن تصطبغ بطوابع الحضارة الفارسية الماديّة منها والمعنويّة ، لتسود عادات الفرس في الطعام والشراب والزيّ ، كما تتغلغل معتقداتهم وأفكارهم في المجتمع الجديد ، لتزاحم التيّار العربي فتؤثّر فيه وإن لم تتمكن من إخماد جذوته . على أن نجاح الدعوة العباسية لم يؤد إلى هذه الأوضاع الجديدة في الحياة السياسية والاجتماعية بسبب نفوذ الفرس وحده ، فقد كانت هناك عوامل عديدة ساعدت على التحول السياسيّ والاجتماعيّ من ناحية ، وأحدثت تطورا ملحوظا في طقوس العيش وأنظمة الإدارة من جانب ، وفي الحياة العقليّة والأخلاقيّة والدينيّة من جانب آخر . * الجانب الفكري كان إقليم العراق منذ فتوحات الإسكندر المقدوني ملتقى الحضارات القديمة : الفارسية من ناحية ، واليونانية والهندية من ناحية أخرى ، وقد اجتاحته قبيل الفتح الإسلامي تيارات الفلسفة « الهللينية » ، التي هي مزيج من الثقافة اليونانيّة المبنيّة على منطق العقل ، والثقافات الشرقيّة المبنيّة على منطق الروح والعواطف الدينية . وبذلك أصبح العراق في ظل الإسلام مسرحا لحركة علمية واسعة